العروج إلى اللامتناهي
يلفتك عنوان هذا الكتاب الذي يحمل في دلالاته معانٍ مختلفة، تبحث في قاموس فكرك عن المعنى الحقيقي له. فترى أنّ العروج كلمة يستخدمها السالكون في رحلة مسيرهم نحو الحقّ تعالى. في العروج، رحلة تجرّدٍ للمادّة، ونقاءٍ يسمح للنفس أن تعبر دون قيد، أن تتخلّص من شوائب الدنيا تاركةً ما فيها نحو الملكوت، نحو اللامحدود واللامتناهي.فما هو العروج الذي أراده الكاتب؟ هل هو انفصال النفس عمّا هي عليه على نحو لاإرادي كما الموت؟ أم هو عبور واعٍ يتمكّن فيه السالك أن يلحظ ساعات الانتقال؟
وإذا التفتنا إلى مؤلّف الكتاب، وهو العارف بالله، والسالك طريق الهدى، أمكن للقارئ أن يجعل خياله يغوص في رحلة الانتقال الإرادي من المتناهي إلى اللامتناهي والمطلق. لقد أمضى الشيخ اليزدي رحلة حياته في البحث عمّا يُبعده عن متعلّقات الخضوع لعالم المادّة الملوّث. رحل، وهو مشغول ينتقي من براثن تلك المادة الصمّاء بعض ما يعينه للتخلّص من آثارها، فكان عروجه إلى البارئ خاليًا من مُلكٍ ماديٍّ زائل، مفعمًا بما يقرّبه من المطلق الذي لا حدّ له ولا رسم.
والعروج الذي أراده الشيخ في الكتاب ليس هو الموت الطبيعي، بل إن صحّ، ربّما يكون الموت الاختياري الذي هو الانفصال الإرادي عن العالم السفلي نحو الملكوت الأعلى. عروج تتصل به الروح بمصدرها، هي الصلاة التي يحني فيها السالك رأسه للسجود، فيرمي ما يثقله من آثام نحو التراب، ويصعد نقيًّا نحو الله.
هي الصلاة قرّة عين رسول الله (ص)، أعظم ذكر يرفع حجاب السرّ عن البشر، يأخذه إلى عالم التجرّد المطلق حيث الصرافة والسماحة والرحمة تتجلّى في أبهى صورها، بعيدًا عن ضجيج ذلك العالم المتكثّر بالصور والأحداث. هي لحظة وصال المعشوق الحقيقي بالعاشق المشتاق. وفقط في هذه الجلسة، حين ينقطع الساجد عمّا حوله، يمكنه أن يلتقط فيوضات الإله حبة حبة، وقطعة قطعة، ينهل ولا يشبع لأنّ حبّ المجرّد يزيد العاشق ولهًا وعطشًا؛ ليغرف المزيد. وعندها فقط يشعر المحبّ بارتباطه الحقيقي بالله، ويمصداق ﴿ونفخت فيه من روحي﴾. كم جميل أن ينصهر المرء بمصدر خلقه ونعمه! كم جميل أن يلقي بذنوبه إلى الحضيض حين يسجد إلى بارئه، ويرتقي نحو اللامتناهي في رحلة سير لا تعرف الكلل والملل!
| الغلاف:غلاف ورقي |
| سلسلة:المؤلفات الكاملة |
المؤلف: الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي | عباس نور الدين
الناشر:
دار المعارف الحكمية
رقم الطبعة: 1 - 2017
عدد الصفحات: 142