تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم
مبتدأ ما يلفتنا في تفسير العارف الكامل والفيلسوف الإسلامي السيد حيدر الآملي، هو العنوان الذي سطّر تحته منجزَه التأويلي للقرآن الكريم. إذ لم يكن من قبيل العناية اللّفظية أن يصفَ المؤلّف تفسيره بـ (المحيط الأعظم والبحر الخِضَمّ)، فلقد كان بانتقائه لهذا العنوان يرمي إلى بلوغ الحدّ الأقصى ممّا توفّره العربية من جميل العبارة لبيان التعامل مع الكتاب الإلهي، فضلاً عن مطابقة اللفظ لمعنى الحكمة البالغة. ولذا فلسنا نرى إلى هذه اللافتة سوى تعبير عن سموّ النص المقدّس وتعاليه. ذلك بأنّ (المحيط الأعظم والبحر الخِضَمّ) هو صفة القرآن، لا تفسيره.من هذا المدخل الإيماني سيمضي الفيلسوف الإلهي السيد حيدر الآملي الى مسعاه التأويلي. وهو ما سيظهر لنا بوضوح بيّن من خلال منهجه الجَمعي. حيث يتكامل في هذا المنهج الوحي والعقل والكشف، ضمن وحدة معرفيّة لا انفصامَ لها. ولقد أشار المؤلّف الى أحواله فذكرَ أن العناية الإلهية كانت حاضرة في الفؤاد وهو يخوضُ غمارَ (المحيط الأعظم والبحر الخِضَمّ). الأمر الذي ألمح إليه في مطلع كتابه (جامع الأسرار) من أنّ ما قام به من تأويل للآيات الشريفة ليس بكسبٍ ولا اجتهاد، بل إفاضة غيبيّة بطريق الكشف من حضرة الرحمن.
وفي خاتمة كتابه الشهير (نَصّ النصوص: ص 536) يتحدّث عن إقامته في النجف الأشرف، فيقول: «فرجعتُ بالسلامة إليه، وسكنتُ فيه، مشتغلاً بالرياضة والخَلوة والطاعة والعبادة التي لا يُمكن أن يكون أبلغ منها ولا أشدّ ولا أعظَم، ففاض على قلبي من الله تعالى، ومن حضراته الغيبيّة في هذه المدّة غير ما قلتُه من: (تأويل القرآن)، و(شرح فصوص الحكم)، وكانت لي من المعاني والمعارف والحقائق والدقائق التي لا يمكن تفصيلها بوجهٍ من الوجوه، لأنها من كلمات الله غير القابلة للحصر والعدّ والانتهاء والانقطاع..».
وشأن السيد حيدر الآملي في رفقة الكتاب الإلهي، شأن صفوة من أكابر أهل الحكمة والعرفان، لمّا وصفوا ما تلقّوه من علوم القرآن، بأنه علمٌ لَدُنيٌّ إرثيٌّ حصَّلوه من طريق طهارة الباطن والارتياض الشرعي والمداومة عليهما، وأيضاً من طريق قرب النوافل وقرب الفرائض والعمل بالأربعينيات والإخلاص لله تعالى. وهذه كلّها حقيقة واحدة تُوجِب أن يكون الانسان طاهراً وتجعله مستعدّاً لنيل شهادة الإفاضة من الحقّ تعالى. ومن الواضح أنّ هذا الإنسان لو استطاع أن يصبح إنساناً قرآنيّاً وسرى القرآن في وجوده لصار من أولئك الذين وصفهم الحقّ تعالى بالمطهّرين، العارفين بالعلوم الإلهية التي لا حدّ لها. وأولئك الذين أُوتوا العلم والمعرفة من لَدنه سبحانه، كما في قوله تعالى: ﴿..وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا..﴾ البقرة:269، وقوله جلّ شأنه: ﴿.. وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ..﴾ الطلاق:2-3.
| الغلاف:مجلد فني |
المؤلف: السيد حيدر الآملي
الناشر:
دار المحجة البيضاء
عدد الصفحات: 1160