زاد المسير - مجلد
دروس في شرح و بيان المواعظ البليغة التي ألقاها رسول الله (ص) على مسمع الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري.بدأ رسول الله (ص) وصيّته لأبي ذرّ بالتركيز على الأساس الأوّل الذي على كلّ فرد أن يتّكل عليه في مسيرته الحياتيّة منذ ولادته حتّى انتقاله إلى عالم الآخرة فيقول: “يا أبا ذرّ اعبد الله كأنّك تراه فإن كنت لا تراه فإنّه يراك”[2]. إذ إنّ أهمّ طريق لبلوغ مقام حضور الحقّ هو أن يدرك الإنسان أنّه دومًا في محضر الله، فإذا أنس بحضور معشوقه، ازداد عطشًا ولذة بالعبادة التي هي وسيلة للتكامل والترقّي.
وإذا كانت عبادة الله الحقيقيّة هي وحدها طريق الوصول إلى الكمال، فإنّ معرفته تعالى هي أوّل مراحل العبوديّة. والمعرفة مراتب لا تتمّ إلّا باقترانها بمحبّة أهل البيت (ع) التي شبّههم رسول الله بسفينة نوح من ركبها نجا، ومن رغب عنها غرق[3].
ثمّ بعد ذلك عدّد رسول الله (ص) النعم التي أعطاها الله سبحانه وتعالى للإنسان، وأشار الشيخ اليزدي لمرحلة الشباب التي يتمتّع فيها المرء بصحّة البدن، والقابليّات العالية لتقبّل العلوم، والإرادة والعزيمة لدفع الرذائل الأخلاقيّة، وامتلاك الملكات الفاضلة، على عكس مرحلة الشيخوخة؛ مرحلة الوهن والضعف وصعوبة التغيير، وعدم القدرة على تبديل الروحيّات.
هذه النعم التي أعطانا إيّاها الله هي فرصة الحياة الدنيويّة في استخدامها من أجل التكامل والرقيّ، فيشير محمّد (ص) إلى ضرورة استغلال الفرص في وقتها واجتناب الآمال الطوال، فيقول: “يا أبا ذرّ إيّاك والتسويف بأملك”[4]. إذ إنّ طلب الراحة والكسل يعدّ صفة سيّئة بالنسبة إلى المؤمن والكافر على حدّ سواء، وإن كان له قبحٌ خاص عند المؤمن، بل يزداد قبحًا حين يصبح عادة لتأجيل وتأخير الأعمال.
المؤلف: الشيخ مصباح اليزدي
الناشر:
دار المعارف الحكمية